"حزب الله" يدور في تداعيات اجتياح العاصمة بالسلاح "المقاوم"
يروّج "حزب الله" اعلامياً، لزيارات ولقاءات دورية، يقوم بها مسؤولون من الحزب لشخصيات سياسية بيروتية، تندرج في اطار توضيح موقف الحزب من قيامه بغزوة بيروت الشهيرة وتبرر لجوئه الى استعمال سلاح "المقاومة" ضد المواطنين الابرياء فيها، والسعي لتجاوز الآثار والتداعيات السلبية الخطيرة التي نجمت عن هذا العمل المسلح، واظهار نيّة التعاون لتقريب النفوس المستاءة والمصالحة، وفتح صفحة جديدة في العلاقات بين الحزب من جهة وابناء العاصمة من جهة ثانية، يتم بموجبها طي صفحة احداث شهر ايار المشؤومة وكل ما خلفته من اضرار وسلبيات.
يحاول حزب الله من خلال الترويج الاعلامي لمثل هذه الاخبار وتضخيم حجم اللقاءات السياسية التي يقوم بها الى تبديد الصورة السوداوية التي ارتسمت في اذهان اللبنانيين والبيروتيين تحديداً، من جراء توجيه سلاح "المقاومة" المخصص لمواجهة اسرائيل، الى صدور ابناء الوطن الواحد، لاجل حسم الصراع السياسي الدائر لصالحه، والى اعطاء "مبررات" وهمية لاجتياح العاصمة عسكرياً، والظهور بمظهر "الحريص" على الوحدة الوطنية بين كل اللبنانيين، ونفي كل التهم الموجهة الى الحزب باشعال نار الفتنة، بين اللبنانيين وتحديداً بين السنّة والشيعة، والاستعداد لتجاوز ما خلفه هذا الاجتياح من رواسب وانعكاسات سلبية لدى ابناء بيروت.
كان يمكن للحزب ان يحقق بعض الاهداف التي يسعى اليها من جراء هذه التحركات السياسية والتضخيم الاعلامي الذي يواكبها، لو اقترنت بخطوات عملية اتخذها الحزب لوقف كل ممارساته الميليشياوية ضد ابناء بيروت وانسحاب مسلحيه من المناطق التي انتشرو فيها منذ الاجتياح العسكري، ومع التهديدات والاعتداءات المسلحة ضد ابنائها والتي لا يكاد ينقضي يوم الا ويبلّغ فيه عن اكثر من اعتداء وتهديد موجه الى بعضهم، ناهيك عن الاستفزازات المتواصلة ضدهم.
فكيف يمكن تجاوز ما حصل، والاستمرار في نهج الاعتداء والتهديد المسلح، الذي يواكبه يومياً تهديدات رسمية تطلق على لسان مسؤولين في الحزب يبشرون فيها باعتداءات جديدة على العاصمة، كما قال اكثر من مرة مسؤول العلاقات الدولية في الحزب نواف الموسوي علناً وجهاراً في وسائل الاعلام الاسبوع الماضي.
كذلك، لو لم يعمم حزب الله نموذج اجتياحه العسكري واعتداءاته عل العاصمة والجبل، الى مناطق البقاع الاوسط في سعدنايل وتعلبايا وجوارهما، والى بشامون وعرمون ومدينة طرابلس، وما اسفرت عنه من سقوط شهداء وجرحى في صفوف المدنيين الابرياء في هذه المناطق الآمنة، لكان يمكن ان تعطي هذه التحركات بعض النتائج، عن توجه معاكس للحزب وممارساته واعتداءاته على المواطنين في العاصمة وسائر المناطق، ولكن هذا لم يحصل.
فالكل يعلم أن المشكلة القائمة، ليست بين حزب الله والشخصيات السياسية التي يلتقيها مسؤولوه في بيروت، وتصويرها على هذا الشكل، هو استخفاف بعقول الرأي العام، لأن هذه الشخصيات تدور أساساً في فلكه ومعظمها مدرج على لوائح المنتفعين منه مادياً، وهي تروج لممارساته وتوجهاته على هذا الأساس، ولا تتمتع بأي ثقل أو تمثيل شعبي فاعل وليست قادرة على لعب أي دور مؤثر في العاصمة ووجودها يقتصر على استعمالها كأداة ظرفية وكلما دعت الحاجة الى ذلك للتشهير ضد خصوم الحزب السياسيين وليس اكثر من ذلك أظهرت الوقائع خلال السنوات الثلاث الماضية.
لقد حاول الحزب أن يستعيض بلقاءاته مع هذه الشخصيات السياسية البيروتية الهزيلة والشكلية فقط، عن رفض القيادات السياسية الأساسية ذات التمثيل الشعبي الواسع في العاصمة وسواها، والمتمثلة في تيار المستقبل، الالتقاء مع ممثليه بعد اجتياح العاصمة وكأن ما ارتكبه من اعتداءات عليها وعلى غيرها من المناطق التي يتمتع فيها التيار بنفوذ مؤثر وقوي، هو أمر عادي وحادث عارض، لا يستدعي كل هذا الضجيج والغضب السياسي والشعبي، ولا بد من التعاطي معه بأهمية أقل مما هو مطروح سابقاً وحالياً وتبسيط إثارة السلبية الى أدنى حد ممكن وعلى طريقة "عفا الله عما مضى"، وهكذا وبأقل عتب ممكن وكأن شيئاً لم يحصل· ولذلك، لن تنفع هذه اللقاءات الشكلية التي يروج لها الحزب من وقت لآخر، في تجاوز آثار وتداعيات اجتياح العاصمة، لأن نتائجها لن تتعدى النطاق الإعلامي المحدود فقط وهي مجردة من أي مفاعيل حقيقية على الأرض، وتعطي مفعولاً عكسياً، وهذا يدل على عدم قدرة حزب الله على نسج علاقات سياسية أو شعبية ذات مستوى في العاصمة، أو التواصل مع شخصيات بيروتية ذات وزن حقيقي، وبالتالي فشله في تبديد الصورة السوداوية التي ترسخت في أذهان البيروتيين من جراء إقدامه على استعمال السلاح المقاوم ضدهم، وأكثر من ذلك تعميمه على مناطق لبنانية اخرى، من لون سياسي وديني مماثل لما تعرضت له العاصمة بيروت.
فلو كان حزب الله جاداً بالفعل في تجاوز اثار وتداعيات اجتياحه للعاصمة بيروت، لكان تحرك عملياً باتجاه تحقيق المصالحة مع القوى والشخصيات السياسية الفاعلة التي حاول استهدافها مع قواعدها الشعبية، ولتوقف عن توجيه التهديدات بتكرار اعتداءاته العسكرية لحسم الصراع السياسي الدائر حالياً، ولكنه استعاض عن ذلك بمحاولة اظهار تأثير هذه اللقاءات الشكلية، التي لا تقدّم ولا تؤخّر في تغيير الخريطة السياسية والشعبية بشيء، لأنه بالفعل يكابر ويصر على نهج استعمال السلاح "المقاوم" في محاولة يائسة لتغيير الخريطة السياسية لصالح مخططاته الاقليمية المعروفة على أبواب الانتخابات النيابية المقبلة.
معروف الداعوق




